الصيام

(abdulkhalek.com)

(abdulkhalek.com)

الجمعة،29 شعبان 1435الموافق27 حزيران/يونيو2014 وكالة معراج للأنباءالإسلامية”مينا”.
عارف التوام
الصيام إمساك عن الطعام والشراب، فرمضان بخيل، كما يقول السطحيون الذين يعيشون بجلودهم.
الصيام جوع وعطش، فهو جاف قاحل، كما يراه الماديون الذين يعيشون ببطونهم، وكم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش؟
الصيام عبادة مفروضة وطاعة جزيلة الثواب كما يعرفه المتدينون من العامة الذين يرددون الحديث القائل: بني الإسلام على خمس…
الصيام إمساك عن الطعام وما يجر الطعام، كالشراب والنكاح، وكقول الهجر وقبح السر، كما يفهمه الذين يصيخون إلى قوله عليه السلام: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.
الصيام إمساك عن الشهوة وما بعد الشهوة، حتى يفهم الطعام وما بعده بمعانيه الأصلية كما يعلمه الذين يتدبرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين”.
الصيام درس عملي، وتجرد عن دنيا البطن والفرج، لتفهم حدودهما، ومرامي لذتهما، ولمَ أوجدهما الله الذي أتقن كل شيء، فكان كل شيء عنده بمقدار.
الصيام غذاء وريّ ولذة في دنيا الإنسانية السامية، في دنيا الروح المسلمة، في دنيا من أسلم لله وجهه، واستظل بعرش ربه، فكان في ذلك كماله وتقربه ووصاله وغذاؤه..
الصيام وسيلة تلمسك إنسانية الأرض وحقيقتك العليا…

الصيام كجناح الطائر يقبضه قبل أن يطير ليعرف بحده الضعيف قوته المنطلقة فيطير ويسمو ويحلق في جو علي كله فيض ونور.

رمضان شهر الإسلام، شهر يسبر فيه المسلم غوره، ليدرك حقيقته من بطنه وفرجه ولذتهما، ليرى مقدار انطلاقه، وبعد سموه.

رمضان شهر ﴿ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾، شهر فاض فيه الإيمان، شهر شعشع فيه وجود الإنسان، وضع في قلبه هدى وجعل لعينيه نوراً.

رمضان شهر يجدد فيه الإسلام رياضته وتطهيره، فيدع إلى جانب الشهوة عفة وصبراً وإرادة ورحمة وشفقة، يودع في ذات المسلم ذاتية الإسلام ومبادئه، قوته وحقيقته، فيكون الإسلام مسلماً، ويكون المسلم أنت..

إن هذه الدنيا لولا مصباح صغير في ذاتك، لولا عينك لكانت عدماً، وإن هذه الأصوات لولا سمعك وفنه لكانت هي وأنغامها عدماً، وكل شيء لولا ما في ذاتك من قوة لكان عدماً..

فإذا تم خلق هذا المسلم ابتهج وفرح بعيده وعاد إلى الدنيا فأكل وشرب ولذ ونعم وهو يعلم أن ذلك نعمة من ربه، وأن له آداباً تتلو عليه قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ﴾.

إن الإسلام ينشد الكمال، وبين الكمال والنقص حدود كالحدود التي بين الحلال والحرام، بل هي نفسها، فالإسلام يجعل في تدريبه وتهذيبه ورياضته ذاتاً منك تعرف الحلال، تعرف الكمال، بحقيقته، فتأخذ به، وتعرف بالنتيجة النقصان، تعرف الحرام، فتجتنبه.

“إن الحلال بيّن وإن الحرام بين” إذا عرفت الإسلام، إذا كنت مسلماً. إن المسلم يعرف ذلك بذاته، لما هذب من طبعه، وغرس في نفسه. إن الكمال بين والنقص بين، لمن كان بشراً سوياً، فكان عقله كاملاً وخلقه رضياً، لمن كان مسلماً يرى بطبعه الحلال بيناً والحرام بيناً، لمن كان يستفتي قلبه، فيعرف بفطرته النقية ما بين الغذاء والإسراف، ما بين الماء والخل والخمر، ما بين الربح والربا والسرقة، ما بين النكاح المشروع والزنا…الخ…الخ.

لأنه يقدر كل شيء بصلاح المجتمع أو فساده، عمرانه أو خرابه، سعادته أو شقائه.

إن حلال الإسلام وحرامه، فروضه وآثامه، هي دروس تهذيبية، ليكون المرء خالص الإنسانية صافي الفطرة، دأبه رقي المجتمع وكمال البشر.

إن الإسلام دين الفطرة ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ يوافق تمام الموافقة فطرة النفس التي خلقت لتحيى، ولما كان لا بد للحياة من أكل وشرب ونكاح، وكان لكل حاجة قدر، فإن الإسلام يذكرك (بمثل الصيام) بالحدود الواجبة، لئلا تصبح الوسيلة غاية، فتهمل الغاية الأصلية، وكما خلقت لتحيى، فإن الإنسان أخاك خلق ليحيى إلى جانبك فمن حقه مثلك أن يأكل ويشرب وينكح، فإذا جعت بصومك.. عرفت من لامس الجوع بطنه، فتذكرته، وعرفت واجبك نحوه فأسعفته.

الصيام إمساك عن الأكل وما بعده، وما أكثر ما بعده، وبهذا كان مائدة روحانية حتى إنها لتجعل للأكل العادي (بما سنت له من آداب) حقيقة الغذاء، له فوائد عديدة، صحية وخلقية، تعرفها من آثار الصيام الجليلة البدنية (الفيزيلوجية) والنفسية (البسيكلوجية).

الصيام عبادة، الصيام في شهر رمضان تربية للأمة المسلمة، فما ترك الصيام وتهذيبه من كان مسلماً أو من أراد أن يكون مسلماً ولو بظاهره.

الصيام من أركان الإسلام الخمسة فأين من يدرك الصيام وأين من يدرك الإسلام بل أين من يدرك إنسانيته؟

عصر مادي طغت فيه الشهوات والآثام؛ فضلّ الأنام وتبعهم أهل الإسلام فهل يجدد المسلمون في رمضانهم إسلامهم فيتهذبوا برياضته، فيعودوا مسلمين حقاً، لهم وعد الله أن يجعلهم خلفاء الأرض أصحاب العزة.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ.. ﴾.

فيا أيها الناس آمنوا إيمان الإسلام، واعملوا أعمال الإسلام تأتكم الدنيا طائعة قائلة أنتم خلفاء الله وشهدائه ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾.

إن دنيا الإسلام دنيا ديّنة، وحياة المسلمين طريق الجنة، وما ضل طالب عرف قصده وله عين مبصرة.

أيها المسلم جاءك رمضان شهر العبادة والمغفرة، فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً.

أيها المسلم! إن لكل عام شهراً، وإن لكل شهر ذكرى، فافتح عينيك وأصخ بسمعك وتدبر بعقلك ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾.

أيها الإنسان كن مسلماً أو تكون أهملت ذاتك وضللت عن سواء السبيل.

المصدر: مجلة التمدن الإسلامي، السنة الثانية، العدد السابع، 1356هـ – 1937م
الألوكة

Rate this article!
الصيام,5 / 5 ( 1votes )
Tags:
author

Author: 

Leave a Reply