غزة .. نصف حياة وحرب وانقسام

غزة (معراج) – لا يُفارق الهاتف المحمول يد الفلسطينية كائنات الصباغ، ليس تعلقا بتطبيقاته أو غراما بفضاء شبكة الإنترنت كما درجت العادة، إنما انتظارا لرسالة نصية قصيرة قد تجدد أملها في الحياة.

انقلبت حياة المرأة الثلاثينية رأسا على عقب بعد اكتشاف ورم سرطاني في غدتها الدرقية قبل سنة ونصف السنة، وأصبح التفكير في مستقبل أبنائها الثمانية ترفا بعدما أصبحت رحلة العلاج شغلها الشاغل.

استأصل أطباء في غزة في يونيو/حزيران 2016 الغدة الدرقية للصباغ، وكان من المفترض أن تخضع لجرعة كيمائية  عاجلة بعد العملية في مستشفى إسرائيلي لعدم توفرها في غزة المحاصرة.

بعد ثلاثة أشهر كابدت فيها الأم ويلات المرض والقهر، تمكنت من الحصول على موافقة إسرائيلية لمغادرة غزة وأخذ جرعة “اليود المُشع” لتدمير الخلايا السرطانية منعا لانتشارها في جسدها.

في يوليو/حزيران 2017 كان موعد إجراء صورة “مسح ذري” لمعرفة أثر الجرعة على الخلايا السرطانية، لكنها منذ ذلك الوقت تقبض على الجمر بانتظار موافقة إسرائيلية أخرى على سفرها، وعندما تسأل عن التأخير يُقال لها إن اسمك “تحت الفحص”.

رسالة الحياة
“مع كل دقيقة تمر يسلبني السرطان خلية من جسدي”، هكذا تقول الصباغ للجزيرة نت في منزلها الصغير بحي  التفاح بمدينة غزة، وقد بدت على جسدها علامات الانتفاخ، بعدما أظهرت صورة طبية أجرتها مؤخرًا تجدد “الورم” في رقبتها.

ورغم أن قلب المرأة لا يزال ينبض حبًا للحياة، فإن جسدها الذي لم يعد يقوى على تحمل الآلام جعلها تشعر  بأنها تعيش “نصف حياة”.

الحالة النفسية السيئة يشارك الصباغ فيها نحو 12 ألف مريض سرطان سُجلوا بغزة منذ عام 2009، وفق إحصاءات رسمية، ويتوق هؤلاء المعذّبون بسبب الرفض الإسرائيلي المتكرر لسفرهم إلى توفير مركز لعلاج المرض الخبيث في غزة قد يُخفف عنهم الحكم بالإعدام مرضا وقهرا.

سلم وحرب
حالة “نصف الحياة” أو “اللا حياة واللا موت” لا تقتصر على من أصابته العلل، بل تنسحب على أكثر من مليوني غزي أفقدتهم حالة “اللا سلم واللا حرب” التي يعيشونها الأمان، وجعلت حياتهم مهددة في كل وقت.

فقبل أن تدق عقارب الساعة عند الثانية بعد منتصف ليل الثالث عشر من ديسمبر/كانون أول الجاري، هزّ انفجار عنيف محيط منزل المزارع عبد المُحيي النجار بمنطقة المواصي في خان يونس جنوبي القطاع، فقلب سكون الحي إلى هلع ودمار، وأصاب أربعة بجراح.

كان ذلك الصوت قصفا إسرائيليا لمزرعة النجار الواقعة قرب الساحل، وهي منطقة بعيدة عن المناطق الحدودية ومواقع المقاومة التي اعتاد الجيش الإسرائيلي قصفها ردا على إطلاق صواريخ من غزة باتجاه المستوطنات المحاذية،  كما يقول.

لم يستيقظ أبناء النجار الستة على صوت والدتهم كالعادة، وكان الانفجار كفيلا بإيقاظ سكان الحي كله في حالة ذعر، ولم يُسمع بعده إلا بكاء الأطفال وأصوات سيارات الإسعاف، ولم تُر إلا أبواب ونوافذ متطايرة وجدران متشققة.

نجا أطفال المزارع بأعجوبة بعدما سقطت نوافذ غرفتهم بجوار أسرّتهم من شدة القصف، لكن طفلا لعمّهم أصيب بعد سقوط سقف غرفته عليه أثناء نومه، وهو ما جعلهم لا يشعرون بالأمان مُطلقًا، كما يقول النجار للجزيرة نت، مضيفا “يمكن أن ينهي صاروخ حياتنا في أي لحظة”.

خوف المزارع الذي يسكن منطقة داخلية على حياة عائلته، يتضاعف لدى أكثر من مئة ألف غزي (إحصائية تقريبية) يسكنون المناطق الحدودية مع إسرائيل ويتعرضون باستمرار لإطلاق نار.

مصالحة وانقسام
الحالة الأمنية غير المستقرة، إضافة إلى الوضع الإنساني الكارثي بفعل الحصار المستمر منذ أكثر من 11 عامًا، جعل الغزيين يعوّلون كثيرًا على تحقيق المصالحة لحل مشاكلهم التي تتصدرها البطالة بنسبة بلغت أكثر من 411%، لكن  تعثّرها أصابهم بخيبة غير مسبوقة.

قطع الفرقاء شوطًا نحو الوحدة، لكنهم لم يُنهوا الأزمة في الوقت نفسه، فعلقت المصالحة بمنتصف الطريق، ووقعت الساحة رهينة لحالة لم تشهدها من قبل بين “اللا مصالحة واللا انقسام”.

هذا الواقع يثير سخط الخريج الجامعي محمد حسام الذي يعود ليلا منهكًا من عمله بعد نحو عشر ساعات من الوقوف على قدميه في متجر للعصائر، ويحصل على مئتي دولار شهريا.

تحقيق المصالحة “طاقة فرج” بالنسبة للعشريني الذي بدا ظهره محنيًا من التعب، لكنه لا يُبدي الكثير من التفاؤل بإنهاء الانقسام، فغزة أصبحت تعيش “حياة البرزخ”، وفق توصيفه.

“لم نعد نفهم ما يجري، هل نحن في انقسام أم مصالحة؟”، يقول حسام للجزيرة نت قبل تمنيه أن يأتي الوقت الذي يعمل فيه بشهادة العلاقات العامة التي حصل عليها.

مراوحة وتعقيد
ورغم حالة “المراوحة في المكان” التي تعيشها المصالحة، فإن الكاتب والمحلل السياسي حمزة أبو شنب يعتقد أنها دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا ولم تصل إلى النهاية، “فهي لم تفشل ولم تنجح”.

لكن أبو شنب يرى في حديثه للجزيرة نت أن حكومة الوفاق الوطني لم تقم بواجبها لإنقاذ غزة من آلامها بعد تقديم حماس خطوات متقدمة لتطبيق المصالحة.

ورغم أن “حياة الأنصاف” مؤلمة، فإنها قد تكون “حلما” يراود الغزيين ببعض شؤونهم، كساعات وصل الكهرباء التي لا تزيد عن السُدس يوميًا، والمياه التي صارت 96% منها غير صالحة للاستخدام الآدمي، ومعبر رفح الذي قلّما يُفتح.

ووسط هذه الحالة لا يجد الغزيون متسعًا من الوقت -لديهم أو لدى غيرهم- لتعداد مطالبهم، لكنهم يختصرون كل ذلك بالدعوة إلى توفير حياة كريمة تُحترم فيها آدميتهم.

المصدر : الجزيرة.نت

Tags:
author

Author: 

Leave a Reply