فلسطين في القلب من ثورة تونس

سمية الغنوشي

باحثة مختصة في شؤون العالم العربي والشرق الأوسط

قبل سبع سنوات، انطلقت الشرارة الأولى لحركة احتجاجية من مدينة سيدي بوزيد التي تقع وسط تونس، وكان مبعثها إقدام الشاب التونسي محمد البوعزيزي على إحراق نفسه ردا على منعه من عرض بضاعته في سوق شعبية وتحطيم الأمن المحلي لعربته الصغيرة.

ثم توسعت هذه الحركة الاحتجاجية إلى مختلف المدن التونسية، قبل أن تنتقل إلى قلب العاصمة تونس، وتأخذ زخما جديدا.

بدا الأمر كنوع من الانتفاضة المحلية متمخضة عن الشعور بالتهميش والحرمان، ولكنها تحولت بعامل الوقت إلى ثورة سياسية واضحة المعالم، يتقاطع فيها بعد الاضطهاد السياسي والدكتاتورية بالمطلبية الاجتماعية المتولدة عن مرارة الحرمان، خصوصا بين أبناء الجهات الداخلية المهمشة، وقطاع الخريجين، الذين يعانون مرارة البطالة.

ولكن الأهم من كل ذلك أنها توسعت فيما بعد إلى الجوار العربي الأوسع باتجاه مصر ذات الثقل السياسي والإستراتيجي، ثم ليبيا المجاورة واليمن وسوريا وحتى العراق.

نار في هشيم الأنظمة
يعود سريان الثورة بتلك السرعة، وكأنها تيار كهربائي موصول، إلى تشابه الأوضاع العربية العامة، ومن ذلك الحكم الدكتاتوري والفردي المختلط بالفساد المالي والتهميش الاجتماعي، ثم طبيعة الروابط الجغرافية وعمق الصلات الثقافية والاجتماعية العربية، بما يجعل الأقطار العربية تتأثر ببعضها البعض، من المغرب الأقصى إلى سلطنة عمان.

إلا أن العنصر المغيّب في قراءة ثورات الربيع العربي، وخصوصا في تونس ومن بعدها مصر، هو البعد الفلسطيني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

فقد ثار الشعبان التونسي ومن بعده المصري ضد نظامين تآكلت شرعيتهما، ليس فقط بسبب تكلسهما السياسي، ولكن أيضا نتيجة ارتباطهما بالسياسة الأميركية وتذيلهما لإسرائيل، حتى لم يعد ممكنا فصل العاملين عن بعضهما البعض.

وَمِمَّا ساهم في عزلة نظام بن علي إقدامه على فتح مكتب تمثيل ديبلوماسي إسرائيلي بتونس وآخر تونسي في تل أبيب سنة 1996، والدخول في مسار تطبيعي مع الدولة العبرية لضمان الرضا الأميركي من جهة، ثم لتخفيف الضغط عليه لانتهاكاته المريعة للحريات وحقوق الانسان، واتساع دائرة الاعتقال السياسي والتعذيب.

لذا لم يكن عجبا أن ظلت اللوبيات اليمينية المتحالفة مع إسرائيل تدافع عن نظام بن علي وتعده نموذجا للنجاح الاقتصادي والسياسي، وتثني على براعته في التخلص من معارضيه الوطنيين والإسلاميين المعتدلين.

وحينما سئل دنيال بايبس، أحد أبرز الأكاديميين المناصرين لإسرائيل، أي الأنظمة السياسية في العالم العربي تمثل نموذج الاعتدال في المنطقة، لم يتردد في التصريح بأنه نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ولا أحد غيره.

أما حسني مبارك، وخصوصا في السنوات الأخيرة من حكمه، فقد طفق يعد لتوريث الحكم لابنه جمال، ولم يجد ما ينفق ليخطب ود أميركا وإسرائيل إلا من رصيد القضية الفلسطينية.

لذا لم يتردد في تسليط أشد الضغوط على المرحوم ياسر عرفات للتوقيع على اتفاقي طابا والقاهرة، ووصل الأمر بمبارك أن يصرخ في وجه الزعيم الفلسطيني “وقّع يا كلب!” أمام الجميع، بعد رفض الأخير التوقيع على الخرائط التي رسمتها إسرائيل.

ثم تطورت المسألة إلى رفع الغطاء السياسي عن الشهيد عرفات لينتهي به المطاف محاصرا بمقره في رام الله، ثم مسمّما قتيلا، ليتخلص منه نتنياهو، في ظل صمت مصري وعربي مريب.

ثورة ضد الاحتلال
لا شك أن قضيتي الحرية والكرامة كانتا في مقدمة مطالب الشارع التونسي والمصري. بيد أن جمهور الثورات العربية اكتشف أن هذه الدكتاتوريات المتآكلة ما كان لها أن تعمر دون دعم أميركا وإسرائيل، لقاء تمرير رؤيتهما للمنطقة وضمان تفوقهما العسكري والإستراتيجي على العالم العربي، تحت عنوان: ضمان الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

لم يكن محط مصادفة أن تنبعث أولى شرارات الثورات ضد حكومات كانت تعتبرها شعوبها دكتاتوريات فجة وفاسدة، وفوق كل مساوئها تلك حكومات مرتهنة للخارج، أكثر من ارتباطها بإرادة الداخل.

كما لم يكن غريبا أن جوبهت ثورات الربيع العربي منذ أيامها الأولى بموقف قاطع ومناهض لها من طرف إسرائيل ولوبياتها، قبل أن تنطلق سياسة التحريض والتشويش عليها، ثم العمل المنهجي على تخريبها.

وهكذا بدا الحديث، ومنذ الأشهر الأولى لثورتي تونس ومصر، بمجرد أن اعترضت بعض صعوبات الانتقال طريقيهما، عن تحول هذا الربيع العربي إلى خريف ثم إلى شتاء قارس، قبل أن تتلقف بعض الأقلام العربية هذا الخطاب التشاؤمي الدرامي، وخصوصا الخليجية منها، خشية سريان عدوى هذه الثورات إلى دولها.

وبينما ارتأت الولايات المتحدة مسايرة موجة التغيير التي باغتتها من حيث لا تحتسب، والسعي لاحتوائها وكبح جماحها، بالمجاملات الشكلية واستخدام القوة الناعمة ما أمكن، بغية تخفيف وطأتها وتداعياتها على المنطقة، فقد خيرت تل أبيب التصدي للموجة العاتية منذ البداية والعمل على إفسادها وإجهاضها بكل الأشكال والصيغ.

أطوار الثورة
ولتوخي الدقة والموضوعية أكثر، يمكن القول إن ثورات الربيع العربي مرت بطورين مختلفين تماما.
طور أول انطلقت فيه بديناميكيات داخلية بحتة فاجأت القوى الدولية وأربكتها بينما كانت منهمكة في ترتيب وضع التوريث وانتقال الحكم داخل المنظومة القديمة، سواء في مصر أو تونس.

ومرحلة ثانية دشنها تدخل حلف الناتو في ليبيا، ثم توغل الأجندات الإقليمية والدولية أكثر في سوريا واليمن، بما أتاح للقوى الكبرى وبعض الدول الإقليمية إعادة ترتيب أوراقها والانخراط في خط حرف هذه الثورات عن مسارها، بل تخريبها من الداخل.

وهكذا، تردت الثورات السورية واليمنية والليبية في أتون الاحتراب الأهلي..
صدحت الثورة التونسية بشعار مزلزل: “الشعب يريد إسقاط النظام!”، استلهمته من قصيدة أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أن ينكسر

بلغ صدى الشعار المدوي أنحاء أخرى من المنطقة، فجلجلت به حناجر الشباب العربي الغاضب في أكثر من قطر عربي.

ثم اكتشف الشارع بحسه السليم الارتباط الوثيق بين مطلبي الانعتاق من ربقة الاستبداد، والتحرر من الاحتلال الصهيوني الغاشم الذي ما انفك يكبل إرادة العرب ويفرض عليهم دكتاتوريات طيعة تابعة.

وهكذا، انتقل الشعار سريعا إلى “الشعب يريد تحرير فلسطين”. وقد لمس الجميع تغير التوازنات السياسية في المنطقة لغير صالح إسرائيل، بعد أن غدا الرأي العام العربي أكثر قدرة على التعبير عن نفسه.

هذا ما دفع إسرائيل إلى إيقاف عدوانها على قطاع عزة في 2012، دون أن تجني منه شيئا، رغم حجم القتل والدمار الذي ألحقته بالقطاع المنكوب المحاصر، بعدما واجهت موقفا رسميا مصريا وتونسيا قويا ضد هذا العدوان السافر، عكسته قرارات الجامعة العربية المعززة بحراك شعبي واسع على الأرض.

لذا، يجدر بالذين ما انفكوا يرددون بأن ثورات الربيع العربي محض مؤامرة أميركية إسرائيلية أن يتخلصوا من العدسات الأيديولوجية التي يضعونها على أعينهم فتشوّه لهم الحقائق، وينظروا إلى معطيات الواقع، بعيدا عن عمى الألوان.

ولعل إحدى المؤشرات القوية التي تدل على عمق ارتباط ثورات الربيع العربي بالقضية الفلسطينية ما نشهده اليوم من حراك شعبي في مناصرة القدس وفلسطين، خصوصا في البلدان التي تقدم فيها الربيع العربي نسبيا وانتزعت شعوبها بعض مساحات الحرية.

وتقدم تونس مثالا ساطعا على ذلك، في حين يُفرض الصمت المطبق بقوة القمع في البلدان التي تعثر فيها هذا الربيع أو تلك التي باتت تقود الثورات المضادة له، كما هو شأن مصر وبعض مشيخات الخليج العربي.

والسؤال المطروح على الذين يدّعون بأن الربيع العربي الذي فجرته تونس لم يكن إلا مؤامرة أميركية إسرائيلية هو:

لماذا إذن لا تسمحون لشعوبكم بالاحتجاج والتحرك في مواجهة المؤامرة الجلية التي تدور أمام أعين الكل للاستيلاء على القدس والإجهاز على ما تبقى من فلسطين؟

والجواب واضح وبسيط: هؤلاء لا يجازفون بإطلاق حرية الشارع لأنهم يهابونه وترتعد فرائصهم من شعوبهم في الداخل، تماما كما يخشون غضبة حلفائهم في واشنطن وتل أبيب.

إن موجات الارتداد هي التي تحمل بصمات الدسائس الدولية والإقليمية، لا هبات الشعوب وثوراتها ضد حكوماتها الدكتاتورية والتابعة. ما من مؤامرة أبشع من التسلط على رقاب الخلق والاحتماء بترمب ونتنياهو.

المصدر : الجزيرة.نت

Tags:
author

Author: 

Leave a Reply